الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
244
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
حصوله يستلزم الجزم بانتفائه . والقريتان هما : مكة والطائف لأنّهما أكبر قرى تهامة بلد القائلين وأما يثرب وتيماء ونحوهما فهي من بلد الحجاز . فالتعريف في الْقَرْيَتَيْنِ للعهد ، جعلوا عماد التأهل لسيادة الأقوام أمرين : عظمة المسوّد ، وعظمة قريته ، فهم لا يدينون إلا من هو من أشهر القبائل في أشهر القرى لأن القرى هي مأوى شؤون القبائل وتموينهم وتجارتهم ، والعظيم : مستعار لصاحب السؤدد في قومه ، فكأنه عظيم الذات . روي عن ابن عباس أنهم عنوا بعظيم مكة الوليد بن المغيرة المخزومي ، وبعظيم الطائف حبيب بن عمرو الثقفي . وعن مجاهد أنهم عنوا بعظيم مكة عتبة بن ربيعة وبعظيم الطائف كنانة بن عبد ياليل . وعن قتادة عنوا الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي . ثم يحتمل أنهم قالوا هذا اللّفظ المحكي عنهم في القرآن ولم يسموا شخصين معيّنين ، ويحتمل أنهم سمّوا شخصين ووصفوهما بهذين الوصفين ، فاقتصر القرآن على ذكر الوصفين إيجازا مع التنبيه على ما كانوا يؤهلون به الاختيار للرسالة تحميقا لرأيهم . وكان الرجلان اللّذان عنوهما ذوي مال لأنّ سعة المال كانت من مقومات وصف السؤدد كما حكي عن بني إسرائيل قولهم : وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ [ البقرة : 247 ] . [ 32 ] [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 32 ] أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 32 ) إنكار عليهم قولهم لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف : 31 ] ، فإنهم لما نصبوا أنفسهم منصب من يتخير أصناف النّاس للرسالة عن اللّه ، فقد جعلوا لأنفسهم ذلك لا للّه ، فكان من مقتضى قولهم أن الاصطفاء للرسالة بيدهم ، فلذلك قدّم ضمير هُمْ المجعول مسندا إليه ، على مسند فعلي ليفيد معنى الاختصاص فسلط الإنكار على هذا الحصر إبطالا لقولهم وتخطئة لهم في تحكمهم . ولما كان الاصطفاء للرسالة رحمة لمن يصطفى لها ورحمة للنّاس المرسل إليهم ، جعل تحكمهم في ذلك قسمة منهم لرحمة اللّه باختيار هم من يختار لها وتعيين المتأهل لإبلاغها إلى المرحومين .